سعيد حوي
1959
الأساس في التفسير
2 - وفي شرح سنة الله بالإملاء للظالمين يقول صاحب الظلال عند قوله تعالى : ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا : قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ أي حتى كثروا وانتشروا ، واستسهلوا العيش ، واستيسروا الحياة : ولم يعودوا يجدون في أنفسهم تحرجا من شئ يعملونه ، ولا تخوفا من أمر يصنعونه . . والتعبير : « عفوا » - إلى جانب دلالته على الكثرة - يوحي بحالة نفسية خاصة . حالة قلة المبالاة . حالة الاستخفاف والاستهتار . حالة استسهال كل أمر ، واتباع عفو الخاطر في الشعور والسلوك سواء . . وهي حالة مشاهدة في أهل الرخاء واليسار والنعمة حين يطول بهم العهد في اليسار والنعمة والرخاء - أفرادا وأمما - كأن حساسية نفوسهم قد ترهلت فلم تعد تحفل شيئا ، أو تحسب حسابا لشئ . فهم ينفقون في يسر ويلتذون في يسر ، ويلهون في يسر ، ويبطشون كذلك في استهتار . ويقترفون كل كبيرة تقشعر لها الأبدان ويرتعش لها الوجدان في يسر واطمئنان . وهم لا يتقون غضب الله ولا لوم الناس ، فكل شئ يصدر منهم عفوا بلا تحرج ولا مبالاة ، وهم لا يفطنون لسنة الله في الكون ، ولا يتدبرون اختباراته وابتلاءاته للناس . ومن ثم يحسبونها تمضي هكذا جزافا ، بلا سبب معلوم ، وبلا قصد مرسوم : وَقالُوا : قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ . . وقد أخذنا دورنا في الضراء وجاء دورنا في السراء . وها هي ذي ماضية بلا عاقبة ، فهي تمضي هكذا خبط عشواء . عندئذ . . وفي ساعة الغفلة السادرة ، وثمرة للنسيان واللهو والطغيان ، تجىء العاقبة وفق السنة الجارية . فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ . جزاء بما نسوا واغتروا وبعدوا عن الله وأطلقوا لشهواتهم العنان فما عادوا يتحرجون من فعل ، وما عادت التقوى تخطر لهم ببال . هكذا تمضي سنة الله أبدا . وفق مشيئته في عباده . وهكذا تحرك التاريخ الإنساني بإرادة الإنسان وعمله - في إطار سنة الله ومشيئته وها هو ذا القرآن الكريم يكشف للناس عن السنة ، ويحذرهم الفتنة . . . فتنة الاختبار والابتلاء بالضراء والسراء . . وينبه فيهم دواعي الحرص واليقظة ، واتقاء العاقبة التي لا تتخلف ، جزاء وفاقا على اتجاههم وكسبهم . فمن لم يتيقظ ومن لم يتحرج ، ومن لم يتق ، فهو الذي يظلم نفسه ويعرضها